علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

269

البصائر والذخائر

اجتوروا - أي تجاوروا - فتمّ بينهم « 1 » التعايش والحياة ، وكأنّهم رأوا الحيّة طويلة العمر كثيرة الحركة ، فأفرغوا عليها سمة تدلّ على خصوصيّتها . وأما حيوة في الأسماء فكأنها « حياة » سكّنت ياؤها واجتلبت لها الواو والبناء على حاله . وهذا شكل من الكلام لولا أنّي قد سمعته ووعيته واستخرجته وتدبّرته وعرضته على العلماء ويسّرته « 2 » لكان الإقلال منه أسلم . لكنّ هذا الكتاب قد جعلته خزانة لنفسي ، ومرجعا لدرسي ، ففي نظرائي وأشكالي من فهمه أثبت من فهمي ، وذهنه أنفذ من ذهني ، وحفظه أغزر من حفظي ، وقلبه أذكى من قلبي ، لكني آثرت أن يكون لي فيمن دوني أثر ، كما كان لمن فوقي عندي أثر ، وإذا تيقظت قليلا رأيت أهل الفضل كنفس واحدة تستنسخ الفضائل على الزمان في ذوي الأرواح الطاهرة والجواهر النيرة « 3 » والطبائع المشحوذة والعقول السليمة . فأقلل من الطعن إن ظفرت بما يحسن في عقلك طعنا ، وخاصم نفسك عني فإنّه أشبه بكرمك ، وأبعد للإدالة منك ، ومن عاب عيب ، ومن هاب هيب ، ومن صان صين ، ومن أعان أعين ، والحرّ أوقف بالطبيعة ، والقصاص فأتمّ في الشريعة ، وقد قيل : كما تدين تدان ، وكما تزرع تحصد « 4 » . 768 - وقال عليه السلام : حفّت الجنة بالمكاره وحفّت النار بالشهوات ؛ ولولا أن التكليف والمدح والذمّ والكرامة « 5 » والإهانة لا تتمّ أحكامها

--> ( 1 ) ص : واحتووا وانبث بينهم . ( 2 ) م : ونشرته . ( 3 ) ص : والجواهر الشريفة . ( 4 ) وكما . . . تحصد : سقط من ص . والمثل « كما تدين . . . » في الميداني 2 : 67 . ( 5 ) ص : والمدح والكرامة والذم .